النويري

18

نهاية الأرب في فنون الأدب

من الطَّرز . فلمّا بلغ الموفّق ذلك أمر بلعن أحمد بن طولون في المنابر في سائر الأمصار . ثم رجع الموفّق عن ذلك ، وأمر كاتبه صاعد بن مخلَّد وجماعة من خاصّته بمكاتبة أحمد بن طولون وتوبيخه على ما فعله ، فكتبوا إليه واستمالوه ، فعلم أنّ ذلك عن رأى الموفّق وإذنه لهم ، فأجابهم بأحسن جواب . فعرضوا كتبه على الموفّق ، فسرّه ما تضمّنته ، وعلم أنّ ابن طولون إنّما فعل ذلك لمغالاته في المناصحة هم . وكان الموفّق كامل العقل ، فسكَّن ذلك منه ما كان في نفسه على أحمد ، ومال قلبه إليه . وكتب الموفّق إلى أخيه المعتمد يعلمه برجوعه عن أمر أحمد وندمه على ما كان منه في حقّه ، وسأله أن يكتب إليه ، فسرّ المعتمد بذلك ، وكتب إلى أحمد كتابا بخطَّه ، وأمره بالرجوع عمّا هو عليه من أمر الموفّق ، وبعث إليه كتاب الموفّق برجوعه عن لعنه ، وأنفذ الكتاب مع الحسن بن عطَّاف . فلمّا بلغ الرّقّة بلغه وفاة أحمد ابن طولون « 1 » ، فرجع إلى الحضرة . وأما لؤلؤ فإنّه بلغه أنّ مولاه أحمد باع أولاده وخدمه بسوق الرّقيق بمصر ، وقبض على أملاكه ، فبلغ ذلك منه كلّ مبلغ ، وتقدّم إلى الموفّق وبكى ، وسأله إنفاذ الجيوش معه ، وضمن له أخذ البلد من مولاه ، وبسط لسانه في سيرته ، فخلع الموفّق عليه ، وحمله على دابة ، ووعده ، وأمر بتجريد الجيوش [ 9 ] معه ، كلّ ذلك وهو يسخر به ويماطله إلى أن يعود جواب أحمد مع الحسن ابن عطَّاف ، فقبض حينئذ على لؤلؤ وردّه إلى مولاه ، واستقبح ما فعله لؤلؤ في حقّ سيده ، فلمّا اتفق وفاة أحمد ، أقام لؤلؤ في

--> « 1 » توفى أحمد بن طولون سنة 270 ه / 883 م - الكامل ج 7 ص 408 ، شذرات الذهب ج 2 ص 157 ، وانظر ما يلي عن وفاته .